عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
455
اللباب في علوم الكتاب
حقّا فسيكون ، وإن تمض الثلاث ، ولم يكن من ذلك شيء ؛ نكتب عليكم كتابا أنّكم أكذب هل بيت في العرب قال العباس : فو اللّه ما كان منّي إليه كبير فلمّا كان بعد ثلاث إذ هو يسمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره وقد جدع بعيره ، وحول رحله ، وشق قميصه ، وهو يقول : يا معشر قريش اللّطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان ، قد عرض لها محمّد في أصحابه ولا أرى أن تدركوها الغوث . فخرج أبو جهل بجميع أهل مكّة وهم النّفير ، وفي المثل السّائر : لا في العير ، ولا في النفير ، فقيل له : إنّ العير قد أخذت طريق السّاحل ، ونجت ، فارجع بالنّاس إلى مكّة ، فقال : لا واللّه لا يكون ذلك أبدا حتّى ننحر الجزور ، ونشرب الخمور ، ونقيم القينات والمعازف ببدر ، فيتسامع العرب بخروجنا ، وأنّ محمدا لم يصب العير ، فمضى بهم إلى بدر ، وبدر كانت العرب تجمع فيه يوما في السّنة لسوقهم . ونزل جبريل وقال : إنّ القوم قد خرجوا من مكّة على كلّ صعب وذلول ، وإن اللّه قد وعدكم أحدى الطائفتين فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ . قالوا : بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدو ، فتغيّر وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : إنّ العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا أبو جهل قد أقبل . فقالوا : يا رسول اللّه عليك بالعير ودع العدوّ فقام عند غضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثمّ قام سعد بن عبادة وقال : امض لما أمرك اللّه به ، فو اللّه لو سرت إلى عدن ما تخلّف رجل عنك من الأنصار ، ثم قال المقداد بن عمرو : يا رسول اللّه امض لما أمرك اللّه ؛ فإنّا معك حيث أردت ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] ولكن نقول : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ما دامت عين منّا تطرف ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال « سيروا على بركة اللّه ، وأبشروا ، فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، واللّه لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم » « 1 » . عن أنس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا مصرع فلان قال : ويضع يده على الأرض ههنا وههنا ، قال : فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولمّا فرغ نبيّ اللّه من بدر قال بعضهم : عليك بالعير ، فناداه العبّاس وهو في وثاقه : لا يصلح ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لم ؟ قال : لأنّ اللّه وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في « دلائل النبوة » ( 3 / 29 - 31 ) والخبر في سيرة ابن هشام ( 2 / 245 - 247 ) ومغازي الواقدي ( 1 / 28 - 33 ) . وانظر : « معالم التنزيل » للبغوي ( 2 / 230 - 231 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1403 - 1404 ) كتاب الجهاد والسير : باب غزوة بدر وأبو داود ( 2681 ) والنسائي ( 4 / 109 ) وأحمد ( 3 / 219 ) من حديث أنس .